من الحكاية إلى المسرح: التحول في السرد الشعبي
لطالما كانت الحكاية الشعبية هي النافذة التي يطل منها الإنسان على عوالم الخيال، والحكمة، والتراث. جلسات “السمر” حول النار، أو في “المقاعد” تحت النجوم، حيث يحكي “الراوي” حكايات “أمنا الغولة” و”عنتر بن شداد” و”أبو زيد الهلالي”، كانت أول أشكال المسرح الشعبي الخام. لكن انتقال هذه الحكايات من حكاية تُحكى إلى عرض مسرحي يُرى ويُسمع ويُحس، يمثل نقطة تحول جوهرية في تاريخ الثقافة الشعبية، وهو رحلة تحمل في طياتها تجسيداً للخيال، وتطويراً للأداء، وخلقاً للجماعة.
عالم الحكاية: حيث الكلمة هي الملك
في عالم الحكاية الشعبية التقليدي، كان السرد يعتمد بالكامل على قوة الكلمة المنطوقة ومهارة الراوي. لم تكن هناك ديكورات أو أزياء أو إضاءة. كان الخيال هو المسرح الحقيقي. كان الراوي يبني العالم والأحداث والشخصيات داخل أذهان المستمعين، مستخدماً نبرات صوته، وإيماءات يديه، وتعبيرات وجهه لنقل المشاعر وتصوير المواقف. كانت العفوية والتفاعل المباشر مع الجمهور، الذي قد يقاطع ليسأل أو يعبر عن إعجابه، من أهم سمات هذه البيئة. كانت الحكاية تُقدم كعمل سردي خالص، يروي أحداثاً ماضية، حتى لو كانت خيالية.
شرارة التحول: لماذا تحولت الحكاية إلى مسرح؟
لم يحدث هذا التحول بين ليلة وضحاها، بل كان نتاج حاجة فطرية للتجسيد والتمثيل:
- الرغبة في التجسيد: حاجة الإنسان لأن يرى الشخصيات والأحداث مجسدة أمامه، وليس فقط مسموعة.
- تعزيز التأثير: إدراك أن الجمع بين الصورة والصوت والحركة يخلق تأثيراً عاطفياً وجمالياً أقوى من الكلمة وحدها.
- الانتقال من الفردية إلى الجماعية: الحكاية فن فردي (راوي ومستمعون)، بينما المسرح فن جماعي (ممثلون، كاتب، مخرج، جمهور) يعكس روح المجتمع بشكل أوسع.
مراحل التحول: من السرد إلى التمثيل
شهدت الثقافة الشعبية في مختلف المجتمعات أشكالاً وسيطة تمثل جسراً بين الحكاية والمسرح:
- التمثيل الإيمائي (البانتوميم): حيث开始 تقديم القصة من خلال الحركة والايماء فقط، معتمداً على لغة الجسد.
- العرائس الشعبية (مسرح خيال الظل، الأراجوز): وهي خطوة مهمة نحو التجسيد، حيث قدمت الشخصيات بشكل مرئي، وغالباً ما كانت تُستخدم للنقد الاجتماعي والسخرية بشكل غير مباشر.
- المونودراما الشعبية: حيث يقوم راوٍ واحد بتمثيل جميع الأدوار، متقمصاً شخصيات مختلفة بصوته وجسده.
- المسرحيات القصيرة (الاستعراضات): كما في حفلات الأعراس والمناسبات، حيث تقدم مشاهد قصيرة هادفة أو كوميدية مستقاة من الحياة اليومية والحكايات الشعبية.
الفرق الجوهري: من الخيال إلى الواقع المُشاهد
مع اكتمال التحول إلى المسرح، حدثت تحولات جوهرية:
- من الخيال إلى التجسيد: في الحكاية، “الغول” مخلوق متخيل في ذهن كل مستمع. في المسرح، يجب أن يظهر “الغول” بشكل ملموس عبر الماكياج والديكور.
- من الزمن الماضي إلى الزمن الحاضر: الحكاية تروي حدثاً ماضياً (“كان ياما كان”)، بينما المسرح يقدم الحدث على أنه يحدث الآن أمام عيني المشاهد.
- من السرد إلى الدراما: ينتقل التركيز من “رواية” الأحداث إلى “تمثيل” الصراع بشكل مباشر. الحوار يحل محل السرد.
- من الفرد إلى الجماعة: يتحول العمل من إبداع فردي (الراوي) إلى إبداع جماعي (ممثلون، مخرج، تقنيون).
أثر التحول: إحياء التراث وتجديده
لم يكن تحول الحكاية إلى مسرح مجرد تغيير في الشكل، بل كان إحياءً للتراث:
- الحفاظ على المضمون: بقيت القيم والحكم والموضوعات المستمدة من التراث الشعبي هي روح العمل المسرحي.
- جذب جماهير جديدة: جذب المسرح، بشكله المشوق، الأجيال الشابة التي قد تمل من جلسات السرد التقليدية.
- إثراء اللغة: نقل الحوار المسرحي اللهجات والمفردات الشعبية من حيز الاستخدام اليومي إلى فضاء الفن، مما ساهم في الحفاظ عليها.
- أداة للتغيير الاجتماعي: أصبح المسرح الشعبي وسيلة فعالة لتسليط الضوء على القضايا الاجتماعية المعاصرة بلغة تراثية مقبولة.
خاتمة: رحلة متواصلة من الإبداع
الانتقال من الحكاية إلى المسرح هو رحلة تطور طبيعية للوعي الجمعي، بحثاً عن أشكال تعبيرية أكثر شمولاً وتأثيراً. إنه دليل على حيوية التراث الشعبي وقدرته على التجدد. فالحكاية لم تمت، بل تحولت إلى كائن حي يتحرك على الخشبة، ينبض بالحياة، ويحاور الواقع بلسان الماضي. في هذا التحول، لا نخسر سحر الحكاية، بل نكسب فناً جديداً يخلق من حكايات الأمس دروساً وحلولاً لتحديات اليوم، مؤكداً أن التراث ليس سجلاً للماضي، بل منبعاً لا ينضب للإلهام الحاضر والمستقبلي.